قصةعزمت خطيب بنتي ع العشا كاملة من الفصل الأول للاخير
لا شيء في رواية عزمت خطيب بنتي ع العشا كما يبدو على الإطلاق.
كل عمل لـ يكسر النمط التقليدي.
على تريند حكايتنا ، رواية "عزمت خطيب بنتي ع العشا " بقلم ليست مجرد سرد عادي، بل تجربة عميقة تنقلك داخل عالم مليء بالغموض والتشويق، حيث تتداخل الأحداث بشكل يجعل كل فصل نقطة تحول جديدة لا يمكن التنبؤ بها، وكل شخصية تحمل سرًا يغير مجرى القصة بالكامل.
اسمي فاطمة، ومنذ خمس سنوات وأنا أعيش مع ابنتي مريم وحدنا في شقةٍ صغيرة بأحد أحياء وهران القديمة بعد وفاة زوجي.
كانت الحياة صعبة، لكن وجود مريم بجانبي كان يخفف عني كل شيء.
كانت ابنتي الوحيدة، وسندي في الدنيا، والبنت التي كنت أراها تكبر أمامي يومًا بعد يوم حتى أصبحت شابة جميلة وهادئة ومحترمة يشهد لها الجميع بالأخلاق.
لذلك حين تقدّم سامي لخطبتها، شعرتُ لأول مرة منذ سنوات أن قلبي ارتاح.
بدا شابًا خلوقًا، هادئًا، يتحدث باحترام، لا يرفع صوته أبدًا، يساعد الجيران، ويظهر دائمًا بمظهر الرجل المثالي.
حتى إمام المسجد أثنى عليه يومًا أمام الناس وقال إنه شاب مؤدب يعرف معنى المسؤولية.
كنت أراه يجلس مع مريم في الصالون ويتحدثان بهدوء فأبتسم وأقول في نفسي إن الله عوّض ابنتي خيرًا بعد تعب السنين.
لكن بعد الخطوبة بفترة قصيرة بدأت ألاحظ أشياء صغيرة لم أفهمها وقتها.
مريم التي كانت تضحك كثيرًا أصبحت صامتة أغلب الوقت.
لم تعد تخرج مع صديقاتها كما كانت تفعل دائمًا.
تركت عملها فجأة بحجة أنها تريد الراحة قبل الزواج.
حتى هواياتها الصغيرة اختفت.
لم تعد ترسم، ولم تعد تجلس قرب النافذة لتسمع الموسيقى الهادئة كما كانت تفعل منذ طفولتها.
صارت تتحرك داخل البيت وكأنها تخشى شيئًا غير مرئي.
وفي كل مرة أسألها إن كان هناك ما يزعجها، كانت تبتسم بسرعة وتقول إنها بخير.
لكنني أمّ…
والأم تعرف حين تكون ابتسامة ابنتها مجرد ستار.
كان سامي يحضر كثيرًا إلى بيتنا، وفي كل مرة يزداد تدخله في حياة مريم بشكل غريب.
مرة يقول لها إن ملابسها يجب أن تكون أكثر بساطة.
ومرة يطلب منها ألا ترد على اتصالات صديقاتها كثيرًا لأن "المرأة المحترمة لا تضيع وقتها بالكلام الفارغ".
وفي مرة أخرى غضب لأنها تأخرت عشر دقائق في العودة من السوق.
كان يقول كل شيء بهدوء شديد، وبابتسامة باردة تجعل أي شخص يظنه مجرد رجل غيور يحب خطيبته.
لكنني بدأت أشعر أن هناك شيئًا خفيًا خلف هذا الهدوء.
وفي ليلة العشاء تلك، قررتُ أن أجلس معه وحده
لأول مرة لأفهمه أكثر قبل موعد الزواج الذي اقترب.
أعددتُ الطعام بعناية، ورتبتُ السفرة، وحاولتُ أن أجعل الليلة دافئة ومريحة.
جاء سامي حاملًا علبة حلوى فاخرة، وابتسم لي بثقة كبيرة، ثم جلس وكأنه فرد من العائلة منذ سنوات.
أما مريم، فكانت شاحبة على غير عادتها.
بالكاد لمست الطعام.
كانت يداها ترتجفان وهي تمسك الكوب، وعيناها تتحركان بيني وبينه بتوتر واضح.
حاولتُ فتح أحاديث بسيطة، لكن كلما سألتُ مريم شيئًا، كان يجيب هو بدلًا عنها.
قال إنها متعبة هذه الأيام، وإنها حساسة أكثر من اللازم، وإنه يحاول فقط حمايتها من الناس ومن ضغوط الحياة.
ثم ضحك وهو يقول: "مريم تحتاج دائمًا لمن يوجّهها، فهي طيبة أكثر من اللازم." ابتسمتُ مجاملة، لكن شيئًا في داخلي لم يرتح.
ثم سقطت الشوكة تحت الطاولة.
اعتذر سامي بسرعة وانحنى لالتقاطها، لكنني سبقته دون تفكير، وحين انخفضتُ قليلًا رأيت المشهد الذي جعل الدم يتجمد في عروقي.
كانت يده تضغط بقوة على معصم مريم تحت الطاولة بينما تحاول هي إبعادها بصمت وعيناها ممتلئتان بالخوف.
رفعتُ رأسي نحوه ببطء، فابتسم لي ابتسامة باردة وقال بصوت منخفض: "من الأفضل أن نكمل العشاء بهدوء." في تلك اللحظة دفعت مريم يده بعيدًا بعنف، فسقط هاتف صغير أسود بجوار قدمي.
التقطته بسرعة، وحين أضاءت شاشته، ظهرت أمامي عشرات الرسائل الصوتية والملاحظات.
كان الهاتف ممتلئًا بتسجيلات لمريم وهي تبكي، وصور لمواعيدها وتحركاتها اليومية، وقائمة طويلة بأوقات خروجها وعودتها وكأنها مراقبة طوال الوقت.
شعرتُ بالخوف والغضب في آنٍ واحد.
سألتُه بحدة: "ما هذا؟" لكنه لم يتوتر.
ظل جالسًا بهدوئه المستفز وقال: "أنا فقط أهتم بخطيبتي وأخاف عليها." لكن مريم انفجرت بالبكاء فجأة وقالت بصوت متقطع: "هو يراقبني طوال الوقت يا أمي…
يعرف أين أذهب…
ومع من أتحدث…
وإذا تأخرت دقائق يبدأ بالاتصال بي عشرات المرات…
يجعلني أخاف حتى من الخروج وحدي." شعرتُ أن الأرض تهتز تحت قدمي.
نظرتُ إلى ابنتي التي كانت ترتعش كطفلة
صغيرة، وفهمتُ أخيرًا سبب التغيير الذي أصابها طوال الشهور الماضية.
حاول سامي أن يقاطعها، لكنني صرخت فيه لأول مرة: "دعها تتكلم!" ساد الصمت للحظة، ثم قالت مريم وهي تبكي إن سامي كان يطلب منها إرسال موقعها طوال الوقت، ويغضب إذا تحدثت مع أي شخص دون علمه، ويمنعها من زيارة بعض قريباتها لأنه لا يرتاح لهن.
قالت إنه كان يتصل بها ليلًا ليتأكد أنها في المنزل، وإنه جعلها تشعر مع الوقت بأنها عاجزة عن اتخاذ أي قرار وحدها.
وكلما حاولت الاعتراض، أخبرها أن كل ذلك من شدة خوفه عليها وحبه لها.
حين سمعتُ كل ذلك، شعرتُ بشيء ينكسر داخلي.
لم تكن ابنتي تعيش خطوبة طبيعية، بل كانت تعيش داخل دائرة خوف مغلقة تكبر حولها يومًا بعد يوم.
وقفتُ أمام سامي وقلت له بوضوح: "هذه الخطوبة انتهت." للحظة اختفت ابتسامته أخيرًا، ونظر إليّ بنظرة قاسية لم أرها منه من قبل.
قال ببطء: "أنتم تبالغون." لكنني فتحت الباب وأشرتُ له أن يخرج.
وقف للحظات وكأنه يقاوم غضبه، ثم قال لمريم بصوت منخفض: "ستندمين على هذا." قبل أن يغادر ويغلق الباب بقوة.
وما إن اختفى حتى انهارت مريم بالكامل بين ذراعي.
بقيت تبكي لساعات طويلة وهي تعترف بكل ما كانت تخفيه عني.
قالت إنها كانت خائفة من أن ألومها أو أظن أنها تبالغ، لذلك صمتت كل تلك المدة.
أخبرتني كيف كانت تشعر بأنها مراقبة طوال الوقت، وكيف فقدت ثقتها بنفسها تدريجيًا حتى أصبحت تخشى اتخاذ أبسط قرار دون خوف من غضبه.
وفي تلك الليلة أدركتُ أن بعض الناس لا يحتاجون إلى الصراخ أو العنف ليؤذوا غيرهم، فهناك من يستطيع تحويل حياة إنسان آخر إلى سجنٍ كامل بالكلمات والسيطرة والخوف فقط.
في الأيام التالية حاول سامي العودة أكثر من مرة.
أرسل رسائل طويلة يعتذر فيها ويقول إنه فقط يحب مريم أكثر من اللازم.
ثم عاد يتهمها بأنها هي من فهمته خطأ.
وبعدها بدأ يقف قرب العمارة أو يراقبها من بعيد.
لكن هذه المرة لم نصمت.
أخبرتُ إخوتي بكل شيء، ووقفت العائلة كلها بجوار مريم حتى شعرت أخيرًا أنها ليست وحدها.
ومع الوقت بدأت تستعيد نفسها ببطء.
عادت إلى عملها، وعادت تتحدث مع صديقاتها، وعادت الضحكة الصغيرة إلى وجهها شيئًا فشيئًا.
لكن التغيير الأكبر حدث داخلي أنا.
كنت أظن دائمًا أن الخطر يأتي بوجهٍ مخيف وصوتٍ مرتفع، لكنني تعلمت متأخرة أن أخطر الناس أحيانًا هم أولئك الذين يبدون مثاليين أمام الجميع.
أولئك الذين يجعلون الضحية تشك بنفسها كل يوم حتى تظن أن خوفها مجرد وهم.
وبعد عام كامل، كنا نجلس أنا ومريم قرب النافذة نشرب الشاي في ليلة ممطرة، حين التفتت إليّ فجأة وقالت: "تعرفين يا أمي ما الذي أنقذني فعلًا؟" سألتها ماذا تقصد، فابتسمت بعينين دامعتين وقالت: "أنكِ رأيتِ خوفي قبل أن يفوت الأوان."
حينها فقط شعرتُ أن تلك الليلة لم تكن مجرد عشاء عادي.
كانت الليلة التي استعادتُ فيها ابنتي من حياة كاملة كانت ستُبنى على الخوف والصمت.
والليلة التي فهمتُ فيها أن الأم أحيانًا لا تنقذ ابنتها بالقوة…
بل لأنها تلاحظ ارتجافة يدٍ صغيرة لا يراها أحد غيرها.
مرت أسابيع طويلة بعد فسخ الخطوبة، لكن البيت لم يعد كما كان بسهولة.
صحيح أن سامي اختفى من حياتنا ظاهريًا، إلا أن أثره بقي معلقًا في كل زاوية من البيت، وفي كل حركة تقوم بها مريم دون أن تشعر.
كانت تستيقظ أحيانًا في منتصف الليل مذعورة فقط لأن هاتفها أضاء بإشعار عادي.
وإذا سمعت صوت خطوات خلفها في الشارع، تتوتر فورًا وتلتفت أكثر من مرة.
وحتى عندما أجلس معها لتناول الطعام، كنت ألاحظ أنها ما تزال تنكمش قليلًا كلما سقط شيء فجأة على الأرض، وكأن جسدها لم ينسَ تلك الليلة حول السفرة.
كنت أراقبها بصمت، وأشعر بوخزٍ مؤلم داخلي كلما تذكرت أن ابنتي عاشت كل ذلك الخوف أمام عيني دون أن أستوعب الحقيقة كاملة.
بدأت ألوم نفسي على كل مرة قلتُ فيها: "ربما هو فقط غيور عليها." أو "كل الرجال هكذا قليلًا." كنت أسترجع الكلمات القديمة فأشعر بالخجل من نفسي.
لأنني فهمت متأخرة أن الخوف لا يظهر دائمًا على شكل كدمات أو صراخ.
أحيانًا يظهر على هيئة صمت طويل…
أو فتاة كانت تحب الحياة ثم فجأة تنطفئ.
↚
وفي أحد الأيام، بينما كنت أرتب خزانة مريم، وجدت صندوقًا صغيرًا مخفيًا خلف الملابس.
فتحته بحذر، فوجدت داخله عشرات الأوراق الصغيرة المكتوب عليها بخط يدها.
كانت مجرد جمل قصيرة كتبتها في أوقات مختلفة.
قرأت أول ورقة، فشعرت بقلبي ينقبض:
"اليوم غضب لأنني تأخرت عشر دقائق عند الخباز."
ورقة أخرى: "قال إن صوت ضحكتي مرتفع أمام الناس."
وثالثة: "أصبحت أخاف أن أقول رأيي حتى لا يظن أنني أعاند."
أما الورقة الأخيرة فكانت الأصعب: "لم أعد أعرف نفسي."
جلست على الأرض وقتها وأنا أبكي بصمت.
ابنتي كانت تنهار ببطء أمامي، وأنا كنت أظن أنها فقط تمر بفترة توتر قبل الزواج.
وفي المساء، حين عادت من العمل، لم أخبرها أنني رأيت الأوراق.
فقط احتضنتها طويلًا دون كلام.
شعرتُ بها تتفاجأ في البداية، ثم بدأت تبكي بهدوء فوق كتفي.
قالت بصوت مكسور: "كنت أخاف أن تريني ضعيفة يا أمي." أمسكت وجهها بين يدي وقلت: "الإنسان لا يصبح ضعيفًا لأنه خاف…
بل لأنه يبقى وحده وهو خائف."
تدريجيًا بدأت مريم تتغير فعلًا.
عادت لعملها القديم في محل تصميم الديكور، وعادت تضحك مع زميلاتها، وبدأت تهتم بنفسها من جديد.
حتى شكلها تغيّر.
صار في عينيها شيء من النور الذي اختفى طويلًا.
لكن رغم ذلك، كنت أعلم أن الجرح لم يلتئم بالكامل بعد.
وفي أحد الأيام، حدث شيء لم نكن نتوقعه.
كنا في السوق الشعبي نشتري بعض الحاجيات، حين تجمدت مريم فجأة وهي تمسك بذراعي بقوة.
التفتُّ بسرعة لأعرف السبب، فرأيته.
سامي.
كان يقف بعيدًا قرب محل الفواكه، ينظر نحونا مباشرة.
شعرتُ بقلب مريم يرتجف من شدة قبضتها على يدي.
للحظة عاد الخوف القديم كله إلى وجهها، لكن الغريب أن سامي لم يقترب.
فقط ظل واقفًا يراقبنا بنظرة باردة.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وغادر ببطء وسط الزحام.
عدنا إلى البيت ومريم صامتة طوال الطريق.
وحين دخلنا الشقة، جلست على الكرسي وكأنها فقدت كل قوتها دفعة واحدة.
قالت بصوت مرتعش: "أشعر أنه لن يتركني أبدًا."
اقتربت منها وقلت بحزم: "لن يستطيع إيذاءك بعد اليوم."
لكن الحقيقة أنني أنا أيضًا كنت خائفة.
وفي تلك الليلة، وبينما كنت أحاول النوم، سمعت صوت إشعار من هاتف مريم في الغرفة المجاورة.
ثم سمعت شهقتها.
دخلت بسرعة فوجدتها تحدق في الشاشة ووجهها شاحب.
أخذت الهاتف منها، وكانت هناك رسالة من رقم مجهول
تقول:
"تظنين أنكِ انتصرتِ؟"
لم أنم حتى الصباح.
في اليوم التالي، ذهبنا إلى قسم الشرطة وأبلغنا عن الرسالة.
وبعدها أخبرت إخوتي بالأمر، وبدأ الجميع يراقب الوضع بحذر.
لكن أكثر ما أوجعني لم يكن الرسائل نفسها…
بل رؤية الخوف يعود ببطء إلى ابنتي بعدما بدأت بالكاد تتعافى.
ومع ذلك، حدث شيء غير متوقع قلب الأمور كلها.
بعد أسبوع تقريبًا، طرقت باب بيتنا امرأة في أواخر الثلاثينات لم أرها من قبل.
كانت مترددة جدًا وهي تسأل عن مريم.
أدخلتها بحذر، وجلست بصمت للحظات قبل أن تقول جملة جعلت الدم يبرد في عروقي:
"أنا أيضًا كنت مخطوبة لسامي قبل سنوات."
رفعت مريم رأسها بسرعة، بينما بدأت المرأة تحكي قصتها.
كانت مختلفة في التفاصيل…
لكنها متشابهة بشكل مرعب في الجوهر.
قالت إنه كان يراقبها باستمرار، ويتدخل في كل شيء يخص حياتها، ويجعلها تشعر بالذنب إذا خالفته في أي أمر.
ومع الوقت أصبحت تخاف حتى من الحديث أمامه بحرية.
وفي النهاية تركته بعد أن شعرت أنها تختنق.
وبعد أيام قليلة، ظهرت فتاة ثانية.
ثم ثالثة.
كل واحدة تحمل القصة نفسها تقريبًا.
حينها فقط أدركت مريم شيئًا مهمًا جدًا…
المشكلة
لم تكن فيها هي.
كانت المشكلة فيه منذ البداية.
رأيت هذا الإدراك يغيرها تدريجيًا.
بدأت تستعيد ثقتها بنفسها، وبدأ صوتها يصبح أقوى.
حتى جلستها تغيرت.
لم تعد تلك الفتاة التي تنكمش بخوف كلما ذُكر اسمه.
وفي إحدى الليالي، كنت أعد الشاي في المطبخ حين سمعتها تتحدث عبر الهاتف بصوت ثابت وواضح.
كانت إحدى الفتيات الجدد تبكي لأنها تمر بتجربة مشابهة مع شخص آخر، ومريم كانت تهدئها وتقول:
"الخوف لا يعني أنكِ ضعيفة…
يعني فقط أنكِ تعرضتِ لضغط طويل."
وقفتُ خلف الباب أستمع إليها، وشعرتُ بعينَيّ تمتلئان بالدموع.
ابنتي التي كانت ترتجف بصمت قبل أشهر…
أصبحت الآن تساعد غيرها على الوقوف.
وفي مساء هادئ بعد فترة طويلة، كنا نجلس على السفرة نفسها التي بدأت فوقها كل الحكاية.
وضعتُ الطعام أمام مريم، ثم سقطت الشوكة فجأة من يدها على الأرض.
تجمدنا كلتانا للحظة.
رأيت التوتر يمر سريعًا في عينيها…
ثم فجأة بدأت تضحك.
تضحك بصدق.
تضحك حتى دمعت عيناها.
ثم نظرت إليّ وقالت: "تخيلي…
كنت أظن أن حياتي انتهت بسبب شوكة."
ضحكتُ معها رغم دموعي، ومددت يدي أمسك يدها فوق الطاولة.
وفي تلك اللحظة بالذات…
فهمت
أن الإنسان لا يشفى لأنه ينسى.
بل لأنه يتذكر الألم…
دون أن يعود أسيرًا له.
↚
عزمت خطيب ابنتي
عزمت خطيب ابنتي
عزمتُ خطيب ابنتي على العشاء لكن في منتصف السهرة، لاحظتُ أنه يُسقط الشوكة تحت الطاولة كل بضع دقائق، بينما كانت ابنتي ترتجف كلما انحنى لالتقاطها.
الجزء الثاني
دفعت مريم يده عنها بعنفٍ مفاجئ.
فانكشف للحظة شيءٌ معدني أسفل الطاولة
وحين انخفضت عيناي نحوه، رأيت طرف سكينٍ حاد يلمع بين أصابعه.
شعرتُ بأن أنفاسي توقفت تمامًا.
لم تكن سكين مطبخ كبيرة، بل سكينًا معدنية صغيرة بحجم الكف تقريبًا.
لكن مجرد رؤيتها تحت السفرة، بين يدَي خطيب ابنتي، جعل الدم يبرد في عروقي.
رفع سامي رأسه نحوي بسرعة.
ثم سحب السكين إلى جواره بهدوء، وكأنه يخشى أن أراها بوضوح.
أما مريم
فكانت تبكي بصمت وهي تضم ذراعها إلى صدرها.
همستُ وأنا أحدق في يده
لماذا تحمل سكينًا داخل بيتي يا سامي؟
فابتسم ابتسامة صغيرة وقال
مجرد شيء أحمله معي دائمًا الدنيا لم تعد أمانًا يا خالتي.
ثم أخفى السكين سريعًا بجوار ساقه قبل أن أستوعب ما يحدث.
لكن مريم انهارت فجأة.
هزّت رأسها بعنف وهي تبكي، وكأنها تحارب نفسها قبل أن تتكلم.
ثم خرج صوتها مرتجفًا ومكسورًا
أقسم لكِ يا أمي حاولت حاولت أن أبتعد عنه لكنه لم يتركني
تغير وجه سامي فورًا.
اختفت ابتسامته الهادئة تمامًا.
وقال ببرود
مريم اخرسي.
لكنها لم تتوقف هذه المرة.
وكأنها وصلت أخيرًا إلى اللحظة التي لم تعد قادرة على الصمت بعدها.
كنتُ أريد فسخ الخطوبة منذ شهرين لكنه كان يلاحقني في كل
مكان
ثم نظرت إليّ بعينين مليئتين بالرعب
قال إنه سيقتلكِ إذا تركته.
شعرتُ ببرودة تسري في أطرافي.
أما سامي فوقف ببطء من مكانه.
وقال بنبرة منخفضة مخيفة
أنتِ تبالغين.
لكن مريم بدأت تتكلم بسرعة، وكأن الكلمات تهرب منها دفعة واحدة
كان ينتظرني أسفل البيت ويمنعني من الخروج وأجبرني على ترك عملي
ثم شهقت وهي تبكي
وقال إنه سيشوّهنا قبل أن يقتلنا إذا حاولتُ الهرب منه.
صرختُ فيه أخيرًا
اخرج من بيتي حالًا!
لكنني أدركتُ خطئي فورًا.
لأن وجه سامي تغيّر تمامًا في تلك اللحظة.
اختفى ذلك الشاب المهذب الذي عرفه الجميع.
وبقي شيء آخر
شيء بارد ومظلم.
اتجه نحو باب الشقة بهدوء.
ثم أغلقه وأدار المفتاح ببطء.
نظرتُ إلى الباب بصدمة.
بينما تراجعت مريم إلى الخلف وهي ترتجف.
وقال سامي دون أن يرفع صوته
لن يخرج أحد من هنا قبل أن ننتهي من الحديث.
أمسكتُ يد ابنتي بسرعة وضممتها خلفي.
قلت له وأنا أحاول الثبات
سامي افتح الباب.
لكنه اقترب خطوة.
ثم أخرى.
وفي يده
ظهرت السكين من جديد.
شهقت مريم وهي تتراجع أكثر.
أما أنا فشعرتُ بأن ركبتَيّ بالكاد تحملانني.
ثم قال بصوتٍ هادئ ومرعب في الوقت نفسه
كنتُ أحاول أن أبقى محترمًا لكن ابنتكِ لا تفهم.
وفجأة
أمسك ذراعي بعنف شديد حتى صرختُ من الألم.
ثم رفع السكين قرب رقبتي مباشرة.
تجمّدتُ في مكاني.
بينما انفجرت مريم بالبكاء وهي تصرخ
أرجوك لا تؤذِها!
سأفعل أي شيء تريده!
اقترب
وجهه من وجهي حتى شعرتُ بأنفاسه.
وقال بصوتٍ خافت
هذا ما كان يجب أن يحدث منذ البداية.
وفي تلك اللحظة
سمعنا صوت طرقٍ عنيف على باب الشقة.
تجمّد سامي فورًا.
ثم جاء صوت رجل من الخارج يصرخ
يا خالتي فاطمة!
افتحي الباب!
هل أنتما بخير؟
نظر سامي بسرعة نحو الباب.
أما أنا
فلم أفهم ما الذي يحدث.
لكن مريم رفعت عينيها فجأة نحو أعلى الخزانة في زاوية الصالون.
تتبعتُ نظرتها
فرأيت هاتفًا قديمًا صغيرًا موضوعًا بين أواني الزينة.
كان يبدو كجهازٍ معطّل تُرك هناك منذ زمن، لذلك لم ينتبه إليه سامي.
وكان على الوضع الصامت، بينما خُفِّض سطوع شاشته إلى أدنى درجة.
لكن الشاشة كانت ما تزال مضيئة.
وفهمتُ فجأة أن مريم شغّلت البث منذ بداية السهرة.
ظلّ سامي يحدّق في الهاتف لثوانٍ طويلة.
ثوانٍ فقط
لكنني شعرت خلالها أن الهواء اختفى من الشقة كلها.
أما مريم، فكانت تبكي وهي ترتجف خلفي.
ثم همست بصوتٍ مكسور
كنتُ خائفة يا أمي
فهمتُ كل شيء فورًا.
الهاتف.
البث.
ولهذا كان الجيران يطرقون الباب الآن.
ولأول مرة منذ دخوله الشقة
بدا الارتباك الحقيقي على وجه سامي.
اقترب ببطء نحو الخزانة، وأبعد السكين قليلًا عن رقبتي دون أن يشعر.
فاستغلت مريم اللحظة وابتعدت نحوي بسرعة.
رفع الهاتف بيده المرتجفة.
نظر إلى الشاشة.
ثم ظهرت على وجهه ابتسامة مخيفة
ابتسامة شخص أدرك أن صورته التي أخفاها طويلًا انهارت أخيرًا أمام الجميع.
قال
بصوتٍ منخفض
إذن كنتِ تخططين لهذا من البداية.
صرخت مريم فورًا
لم أخطط لشيء!
كنتُ فقط خائفة منك!
لكن سامي لم يكن يستمع.
ظل يحدّق في الهاتف للحظات، ثم أغلق البث بعصبية وألقى الجهاز على الأرض حتى تحطم.
وفي الخارج
ارتفعت أصوات الرجال أكثر.
يا سامي افتح الباب!
نحن نسمع الصراخ!
افتح قبل أن نكسر الباب!
بدأت أنفاسه تتسارع لأول مرة.
وأحسستُ أن سيطرته التي كان يتباهى بها بدأت تتفكك.
لكنه فجأة أمسك شعري بعنف أكبر، وقرّب السكين من رقبتي حتى شعرتُ بطرفها البارد يلامس جلدي.
شهقتُ من الألم.
أما مريم فصرخت وهي تركض نحوه
اترك أمي!
لكنه دفعها بقوة حتى ارتطم جسدها بطرف الأريكة.
ثم صرخ لأول مرة منذ دخوله الشقة
ابقَي مكانك!
ساد الصمت لثوانٍ.
حتى الرجال خارج الباب صمتوا بعد سماع صوته.
كان وجه سامي مختلفًا تمامًا الآن.
عيناه حمراوان.
وأنفاسه متقطعة.
ولم يعد ذلك الشاب الهادئ الذي جلس قبل قليل يتحدث عن الصلاة والاحترام.
قال وهو يضغط على ذراعي بقوة
كل هذا بسببكِ.
ثم نظر إلى مريم
كنتُ سأجعلكِ تعيشين كملكة لكنكِ أردتِ إذلالي.
صرخت مريم وسط بكائها
أنتَ مريض!
فشدني معه خطوة وهو يقترب منها أكثر.
وقال من بين أسنانه
أنا ضحّيت بكل شيء لأجلكِ!
ثم أشار إلى الباب بعصبية
والآن العمارة كلها تشاهدني كأنني مجرم بسببكِ!
في الخارج، عاد الطرق على الباب بعنف أكبر.
ثم سمعنا صوت رجل آخر يقول
الشرطة في الطريق!
وهنا فقط
ظهر الخوف الحقيقي على وجه سامي.
تراجع خطوة إلى الخلف.
ثم خطوتين.
وكأن كلمة الشرطة أعادته إلى الواقع فجأة.
ولأول مرة
لم يعد يبدو غاضبًا
↚
فقط.
بل بدا كرجل يشعر أن كل الصورة التي صنعها عن نفسه بدأت تنهار أمام الجميع.
نظر سريعًا نحو النافذة
ثم نحو الباب
وكأنه يبحث عن طريقةٍ للهروب.
لكنه أدرك أن أصوات الرجال في الخارج تحاصر الشقة بالكامل.
أما مريم فاستغلت اللحظة وركضت نحوي بسرعة.
أمسكتني وهي تبكي
أنتِ بخير؟!
لكن سامي رفع السكين نحونا بعنف وهو يصرخ
لا تقتربا من الباب!
توقفنا فورًا.
كان يرتجف الآن.
ويده التي تمسك السكين لم تعد ثابتة.
وكان يتكلم كمن فقد السيطرة على أفكاره.
قال بصوت متقطع
إذا دخل أحد أقسم أنني سأقتلهم أولًا ثم أقتل نفسي
شعرتُ بمريم ترتعش بجانبي.
أما أنا فكنت أحاول التفكير بأي طريقة لإنهاء هذا الكابوس.
ثم فجأة
رنّ هاتف سامي.
نظر إلى الشاشة.
وكان اسم والدته يظهر عليها.
تجمّد للحظة.
ثم ضغط على الهاتف بعنف حتى أغلقه.
لكن الهاتف عاد يرنّ مرة ثانية.
ثم ثالثة.
وفي كل مرة، كان وجهه يزداد اضطرابًا أكثر.
ثم سمعنا صوت رجل يصرخ من الخارج
افصلوا الكهرباء!
وبعد ثوانٍ
دوّى صوت ارتطامٍ قرب صندوق الكهرباء في الممر.
ثم انطفأت الشقة كلها
دفعة واحدة.
غرق المكان في ظلام كامل.
وارتفعت شهقة مريم بجانبي.
ساد الظلام لثوانٍ طويلة بدت كأنها دقائق.
ولم نعد نسمع سوى أنفاس سامي المرتبكة.
ثم أضاء ضوء هاتفه المرتعش جزءًا من وجهه للحظة
فرأيت لمعان السكين يهتز بين أصابعه.
كان يتحرك بعشوائية داخل الظلام، وكأنه يبحث عن مخرج أو طريقة للهرب.
وفجأة
دوّى صوت ارتطامٍ عنيف بباب الشقة حتى اهتزّت الجدران.
ثم صرخة رجالٍ من الخارج
ابتعدوا عن الباب!
تلتها ضربة ثانية.
وفي اللحظة نفسها جاء صوت حاد من الممر
شرطة!
افتح الباب فورًا!
تراجع سامي خطوة إلى الخلف.
ثم رفع السكين نحونا من جديد.
لكن هذه المرة
لم يعد يبدو مخيفًا كما كان قبل دقائق.
بل بدا كإنسانٍ انهار كل شيء داخله فجأة.
قال بصوتٍ متقطع
هي السبب
وأشار إلى مريم.
هي التي أوصلتني لهذا.
صرختُ فيه لأول مرة دون خوف
أنتَ الذي دمّرت نفسك!
ارتجفت يده أكثر.
وفي اللحظة التالية
انطلقت ضربة هائلة على الباب.
ثم انكسر القفل أخيرًا.
وانفتح الباب بعنف.
دخل رجال الشرطة أولًا.
وخلفهم بعض رجال العمارة والجيران.
وفي
اللحظة التي رأى فيها سامي كل تلك الوجوه
ارتخت أصابعه فجأة.
فسقطت السكين من يده على الأرض.
رنّ صوتها في الشقة كأنه نهاية شيءٍ ثقيل ظل يخنقنا شهورًا.
اندفعت مريم نحوي فورًا.
ثم ارتمت في حضني وهي تبكي بشكلٍ هستيري.
أما أنا
فكنت ما أزال عاجزة عن استيعاب أن كل هذا يحدث فعلًا داخل بيتي.
اقترب أحد رجال الشرطة من سامي بحذر.
لكن سامي لم يقاوم.
ظل واقفًا مكانه شاحب الوجه، ينظر إلى الأرض كأن كل قوته اختفت فجأة.
ثم قيدوا يديه.
وفي أثناء إخراجه من الشقة
رفع رأسه نحو مريم.
لثانية واحدة فقط.
لكنني رأيت في عينيه شيئًا جعل الدم يبرد داخلي.
لم يكن ندمًا.
ولا خوفًا.
بل غضبًا مريضًا لأنه فقد السيطرة عليها.
فشددتُ مريم إلى صدري أكثر.
وبعد دقائق
امتلأت الشقة بأصوات الجيران والأسئلة والهمسات.
كانت أم ياسين تبكي وهي تضم مريم.
وأحد الرجال يقول
والله لو لم نرَ البث ما صدّقنا.
أما مريم
فكانت جالسة على الأريكة ترتجف بالكامل.
اقتربتُ منها ببطء.
جلستُ أمامها.
ثم أمسكتُ وجهها بين يديّ.
وقلتُ بصوتٍ مرتجف
لماذا تحملتِ كل هذا وحدكِ
يا ابنتي؟
فانفجرت بالبكاء من جديد.
وقالت بصعوبة
كنتُ خائفة عليكِ يا أمي
ثم شهقت وهي تحاول التقاط أنفاسها
في أول مرة طلبتُ منه أن ننفصل أمسك يدي بقوة وقال إن أول شخص سيؤذيه إذا تركته سيكون أنتِ.
أغمضتُ عينيّ للحظة وأنا أشعر بأن قلبي يتمزق.
وأضافت
كنتُ أظن أن صمتي سيحميكِ
ثم نظرت حولها إلى الشقة الممتلئة بالناس، والباب المكسور، وآثار الفوضى في كل مكان.
وقالت بصوتٍ ضعيف
لكنني كنتُ أموت كل يوم.
وأنا أبكي معها لأول مرة منذ سنوات.
وفي تلك الليلة
فهمتُ شيئًا لن أنساه ما حييت.
فترة الخطوبة ليست مجرد وقتٍ لشراء الأثاث أو انتظار موعد الزفاف
بل فرصة حقيقية لاكتشاف الطباع التي يحاول البعض إخفاءها.
فالإنسان مهما أتقن التمثيل
لا يستطيع أن يُخفي حقيقته إلى الأبد.
الخوف المفاجئ.
العزلة.
الرغبة في السيطرة.
الغيرة المَرَضية.
مراقبة الهاتف.
منع الطرف الآخر من العمل أو الخروج أو الكلام بحرية.
كلها ليست حبًّا
بل بدايات خطرٍ حقيقي.
وكم من امرأةٍ تجاهلت تلك العلامات
ثم وجدت نفسها تعيش داخل خوفٍ يومي لا ينتهي.
أما
مريم
فقد نجت تلك الليلة.
لكنني أعلم أن هناك فتياتٍ كثيرات ما زلن حتى الآن يجلسن في صمت
خوفًا من شخصٍ يظنه الجميع رجلًا محترمًا.