بعد تلات دقايق من تهديد القنبلة…
الطفلة دخلت المطعم.
وده كان المشهد اللي كل اللي حضروه فضل محفور في دماغهم بعد كده…
رغم إن محدش قال كلمة “قنبلة” بصوت عالي جوه مطعم “لا ڤيتا”.
لا الجرسون اللي لابس جوانتي أبيض.
ولا رجال الأمن اللي عاملين نفسهم زباين عاديين.
ولا حتى نائبة المحافظ اللي وشها شحب تحت طبقات المكياج الغالي.
ولا رجل الأعمال الملياردير اللي قاعد على الترابيزة رقم ٧…
الراجل اللي اسمه لو اتقال في القاهرة، الناس بتوطي صوتها تلقائي.
كل اللي اتقال كان:
— “في بلاغ جالنا.”
وبعدين…
باب المطعم الزجاج اتفتح، ودخلت طفلة صغيرة لابسة بالطو أحمر ومبلولة من المطر.
كانت صغيرة لدرجة إن المطعم كله سكت.
يمكن عندها خمس سنين…
أو ستة بالكثير.
الكاب اتزحلق من على راسها، وخصلات شعرها الأسود لازقة في خدودها.
جزمتها بتصوّت فوق الرخام وهي ماشية.
في إيدها شنطة ضهر بنفسجي ماسكاها جامد كأن حد وصاها ماتسيبهاش أبدًا.
وفي الإيد التانية منديل ورق من مطعم شعبي، مرسوم وراه لعبة متاهة للأطفال.
“لا ڤيتا” مكان أصلًا الأطفال مايدخلوهوش لوحدهم.
مطعم إيطالي فاخر مستخبي ورا إزاز غامق في الزمالك…
المشاهير بيروحوله لما يحبوا الناس تشوفهم من غير ما تبص عليهم، والسياسيين يقعدوا فيه يعملوا اتفاقات بعدها ينكروها.
النجف واطي، والإضاءة خافتة، وقايمة الأكل تمنها مرتب شهرين لناس كتير.
وفي الليلة دي…
المكان كله كان مِلك لرجل واحد.
سيف الدمنهوري.
قاعد لوحده على الترابيزة رقم ٧.
راجل اشترى نص العمارات اللي حوالين النيل، وبيتحكم في شركات مقاولات وأمن واستيراد أكتر من الحكومة نفسها.
الصحافة كانت بتسميه “إمبراطور العقارات”.
لكن الناس اللي فاهمة الحقيقة…
كان ليهم اسم تاني.
آخر الدمنهورية.
راجل ورث إمبراطورية كاملة مستخبية ورا شركات نضيفة وواجهات شيك.
كان لابس بدلة فحمة من غير كرافتة.
وشه جامد، عينيه باردة زي الشتا، وسكوته يخلي أي حد يراجع نفسه قبل ما يتكلم.
من دقيقتين بس، رئيس الأمن قرب منه وهمس:
— “في تهديد مجهول.
حد بلغ عن قنبلة في المطعم.
بنفتش المطبخ ومدخل الخدمة.”
سيف حتى ما اتحركش.
قال بهدوء:
— “خلّيكوا هاديين.”
وبعدين…
دخلت الطفلة.
كل رجال الأمن اتحركوا تلقائي.
واحد مد إيده ناحية الجاكيت.
واحد تاني لف ناحية الباب.
حتى مدير المطعم ثبت مكانه.
لكن الطفلة ماكانش باين عليها خوف.
وقفت تبص على المكان كله…
كأنها دخلت فصل غلط وبتدور على أكتر شخص شكله ممكن يساعدها.
وبعدين…
↚
مشت مباشرة ناحية سيف الدمنهوري.
رجال الأمن اتحركوا فورًا.
سيف رفع صباعين بس.
فوقفوا مكانهم.
وصلت البنت للترابيزة رقم ٧، وبصت على الكرسي الفاضي اللي قدامه.
وقالت بصوت صغير وواضح:
— “لو سمحت…
الكرسي ده حد قاعد عليه؟”
رفع عينه وبصلها.
— “لأ.”
— “ينفع أقعد لحد ما ماما ترجع؟”
المطعم كله حبس نفسه.
سيف بص للبنت…
وبعدين للباب المبلول بالمطر…
وبعدها ناحية الممر اللي اختفى فيه اتنين من رجالته.
وسألها بهدوء:
— “فين مامتك؟”
أشارت وراها بعشوائية:
— “في الحمام…
قالتلي أستنى في مكان آمن.
بس كل الكراسي التانية عليها ناس كبيرة.”
— “هي اللي جابتك هنا؟”
البنت سكتت لحظة صغيرة جدًا…
لكن سيف لاحظها.
وقالت بعدها:
— “ماما بتقول ماينفعش نقول كل حاجة للغربا.”
حاجة خفيفة شبه ابتسامة عدّت في عينيه.
— “واضح إن مامتك ذكية.”
هزت راسها بفخر:
— “أوي.”
— “اسمك إيه؟”
— “ليلى.”
— “واسم العيلة؟”
رفعت دقنها الصغيرة بعند طفولي:
— “ماما بتقول السؤال ده رخَم.”
المرة دي…
سيف كان فعلًا قرب يبتسم.
مش ابتسامة كاملة…
بس زاوية فمه اتحركت لدرجة إن الست اللي قاعدة على الترابيزة اللي جنبهم لاحظت.
داليا شريف كانت شغالة مع سيف بقالها تسع سنين.
شافته وهو بيهدد رجال أعمال، وبيكسر ناس أقوى من الحكومة، وبيتعامل ببرود مع خيانات وأزمات تخلي أي حد ينهار.
لكن النظرة اللي شافتها دلوقتي…
ماشافتهاش من سبع سنين.
من وقت ما بنت اسمها “هنا منصور” اختفت فجأة من حياته…
وسابت وراها شنطة سفر وحلم كلية تمريض…
وسر كبير داليا ساعدت تدفنه.
على الترابيزة رقم ٧، سيف سحب الكرسي للبنت.
طلعت عليه وحطت الشنطة في حضنها بحرص.
وقالت بسرعة:
— “أنا هقعد هادية.”
رد سيف:
— “ماعتقدش.”
رمشت ليلى كذا مرة…
وبعدين قررت إنه مش شخص وحش.
— “أنا بعرف أبقى هادية لما أحب.”
— “دي موهبة نادرة.”
— “الأبلة بتقول عندي هدوء انتقائي.”
— “ده شكله مرض خطير.”
ضحكت بخفة:
— “يعني برغي كتير لما حاجة تهمني.”
سيف سند ضهره في الكرسي وبصلها:
— “وإيه الحاجات اللي تهمك؟”
ابتسمت ليلى وهي بتتهز برجليها الصغيرة تحت الترابيزة.
— “الكلاب.”
رفع سيف حاجبه بخفة: — “الكلاب؟”
— “خصوصًا الكبيرة…
اللي شكلها يخوف بس هي طيبة.”
هز راسه بهدوء: — “فهمت.”
— “وبحب الديناصورات كمان…
بس ماما بتقول إني مهووسة بيهم شوية.”
— “عارفة أنواع كتير؟”
فتحت عينيها بفخر: — “كتير أوي.”
↚
— “وريني.”
أخدت نفس كبير وقالت بسرعة مدهشة: — “تي ريكس…
باراصورولوفوس…
ميكرورابتور…
باكيسيفالوصور…”
واحد من رجال الأمن عند البار كتم ضحكة بالعافية.
أما سيف…
ففضل باصصلها في هدوء غريب.
وبعدين قال: — “واضح إن لسانك متدرب كويس.”
ضحكت ليلى: — “ماما بتقول كده برضه.”
أول ما جابت سيرة أمها…
حاجة صغيرة جدًا اتغيرت في ملامح سيف.
في نفس اللحظة، واحد من رجال الأمن رجع من الممر الخلفي وقرب منه وهمس: — “فتشنا كل حاجة…
مفيش قنبلة.
والمكالمة طالعة من خط مدفوع قريب من هنا.”
سيف هز راسه مرة واحدة.
وسأله بهدوء: — “الكاميرات الخارجية؟”
— “لسه بنراجعها…”
لكن الراجل وقف فجأة وسكت.
لأن باب المطعم اتفتح تاني.
ودخلت ست مبلولة من المطر، نفسها مقطوع كأنها كانت بتجري.
شعرها البني الغامق لازق في وشها، ومعطفها الرمادي باين عليه رخيص وسط المكان الفخم ده كله…
لكنها أول ما رفعت عينيها ناحية الترابيزة رقم ٧—
داليا شريف شحب وشها فورًا.
أما سيف الدمنهوري…
فاتجمد مكانه.
الست كمان شافته.
وفي ثانية واحدة…
اللون اختفى من وشها بالكامل.
وقفت في نص المطعم كأن رجليها مش شايلينها.
وهمست بصوت مخنوق: — “مستحيل…”
ليلى لفت بسرعة بفرحة: — “ماما!”
نزلت من على الكرسي وجريت ناحيتها.
لكن الست ما اتحركتش.
كانت باصة لسيف بس.
كأنها شافت شبح.
وسيف…
لأول مرة من سنين طويلة…
ملامحه كلها اتكسرت للحظة.
همس باسم خرج منه بالعافية: — “هنا…؟”
الست بلعت ريقها بصعوبة، وعينيها بدأت تلمع بخوف قديم جدًا.
— “أنا…
أنا لازم أمشي.”
لكن ليلى كانت وصلت عندها ومسكِت إيدها: — “ماما؟
انتي تعرفي الراجل ده؟”
هنا اتجمدت.
أما المطعم كله…
فكان ساكت تمامًا.
وسيف قام ببطء من مكانه.
كل الحراس اتحركوا تلقائي، لكن مجرد ما رفع إيده وقفوا.
عينه ما سابتش هنا لحظة.
وقال بصوت هادي بشكل مرعب: — “دي بنتك؟”
هنا حضنت إيد ليلى بسرعة كأنها بتحاول تخبيها جواها.
وبصوت مهزوز قالت: — “مالَكش دعوة.”
الجملة نزلت على المكان كله كأنها طلقة.
داليا بصت لسيف بقلق حقيقي لأول مرة من سنين…
لأنها كانت عارفة كويس يعني إيه هنا منصور ترجع تظهر فجأة بعد سبع سنين اختفاء.
لكن الأخطر…
إن يبقى معاها طفلة عندها نفس العيون الرمادي الباردة.
عيون سيف نفسها.
ليلى بصتلهم الاتنين بحيرة: — “هو إيه اللي بيحصل؟”
سيف ما ردش.
كان مركز بس مع هنا.
— “إنتِ اختفيتي.”
هنا ضحكت ضحكة صغيرة مكسورة: — “أيوه…
وده كان أصح قرار أخدته في حياتي.”
— “من غير كلمة؟”
— “كنت هموت يا سيف.”
الجملة خلت الصمت يثقل أكتر.
حتى رجال الأمن بدأوا يبصوا لبعض بتوتر.
سيف قرب خطوة.
هنا رجعت خطوة فورًا وهي تشد ليلى وراها.
ولأول مرة…
الغضب بان فعلًا في عينه.
مش لأنه اتراجع منه.
لكن لأنها خافت منه.
— “مين كان ناوي يقتلك؟”
هنا سكتت.
— “هنا.”
↚
رفعت عينيها له، وفيهم تعب سنين كاملة: — “أبوك.”
الهواء نفسه وقف.
داليا قفلت عينيها للحظة كأنها كانت متوقعة اليوم ده من زمان.
أما سيف…
فوشه بقى جامد بشكل مرعب.
والده…
فاروق الدمنهوري…
الراجل اللي أسس الإمبراطورية كلها…
مات من خمس سنين، لكن اسمه لسه يخوف ناس لحد دلوقتي.
سيف قال ببطء: — “أبويا مات.”
— “عارفة.”
— “يبقى ليه هربتي؟”
هنا ضحكت بمرارة: — “لأن قبل ما يموت…
قالي لو الطفل ده اتولد، هيدفنه بإيده.”
ليلى بصت لأمها بخوف: — “ماما…؟”
هنا نزلت بسرعة على ركبتها قدامها ومسكت وشها بحنان: — “ماتخافيش يا حبيبتي.”
لكن ليلى بدأت تستوعب إن فيه حاجة غلط.
بصت لسيف تاني…
وبعدين همست: — “هو الراجل ده يعرفنا؟”
هنا ماقدرتش ترد.
أما سيف…
فكانت عينه ثابتة على الطفلة.
على تفاصيل صغيرة جدًا.
طريقة وقفتها.
نظرتها.
حتى الطريقة اللي بتعض بيها شفايفها وهي متوترة.
حاجات كان بيشوفها كل يوم في مراية بيته.
وفجأة فهم.
فهم ليه قلبه وقف أول ما شافها داخلة من الباب.
ليه حس إنه يعرفها رغم إنه عمره ما شافها.
ليه هنا ارتعبت أول ما شافته.
أخذ نفس بطيء جدًا…
وسأل السؤال اللي خلى هنا تدمع فورًا قبل حتى ما تجاوب:
— “عندها كام سنة؟”
هنا قفلت عينيها للحظة…
كأن السؤال نفسه وجعها.
وبصوت واطي قالت: — “ست سنين.”
سيف ما اتحركش.
بس داليا، اللي واقفة بعيد، حسّت قلبها وقع.
لأنها حسبتها فورًا.
ست سنين.
بالظبط بعد آخر ليلة اختفت فيها هنا من حياة سيف.
ليلى كانت باصة بينهم بارتباك أكبر كل ثانية.
شدّت جاكيت أمها بخفة: — “ماما…
مين ده؟”
هنا فتحت بقها…
لكن مافيش صوت خرج.
أما سيف، فبص للبنت وقال بهدوء: — “اسمي سيف.”
ليلى هزت راسها بأدب: — “أنا ليلى.”
وكأنها لسه مش فاهمة إن الدنيا حواليها كلها اتشقلبت.
سيف نزل بعينه لشنطة الضهر البنفسجي اللي في حضنها.
كان فيها سلسلة مفاتيح صغيرة على شكل ديناصور.
نفس النوع اللي كان بيجيبه لهنا زمان من سفره.
تفصيلة سخيفة…
لكنها خلت حاجة جواه تتكسر ببطء.
رفع عينه لهنا تاني: — “هي بنتي؟”
الصمت اللي بعد السؤال كان تقيل لدرجة تخنق.
هنا دموعها لمعت، لكنها حاولت تتمالك نفسها.
وبعدين…
هزت راسها بالإيجاب.
سيف ما رمش حتى.
بس كل اللي يعرفوه لاحظوا إن نفسه اتغيّر.
كأن راجل عاش عمره كله متحكم في كل حاجة…
فجأة بقى مش عارف يقف ثابت.
ليلى بصت لأمها بعدم فهم: — “يعني إيه؟”
هنا بلعت ريقها بالعافية.
— “يعني…”
لكن سيف هو اللي رد.
بصوت هادي جدًا: — “يعني أنا باباكي.”
ليلى رمشت بسرعة.
مرة…
واتنين…
وبعدين ضحكت ضحكة صغيرة متوترة: — “لأ.”
محدش رد.
ابتسامتها بدأت تختفي بالتدريج.
بصت لأمها: — “هو بيهزر، صح؟”
هنا نزلت بعينها للأرض.
وده كان كفاية.
ليلى وشها اتغير بالكامل.
رجعت خطوة صغيرة لورا.
وبعدين بصت لسيف تاني…
المرة دي بتركيز.
كأنها لأول مرة فعلًا تشوفه.
العينين.
ملامح الوش.
حتى نفس الطريقة الهادية في الكلام.
همست بصوت صغير جدًا: — “إنت…
بابايا؟”
سيف قرب خطوة ببطء، وكأنه خايف الحركة نفسها تخوفها.
— “أيوه.”
ليلى فضلت ساكتة كام ثانية.
وفجأة سألت السؤال اللي قطع قلب هنا بالكامل:
— “طب…
إنت كنت فين طول الوقت ده؟”
السؤال نزل على سيف كأنه ضربة مباشرة في صدره.
راجل الناس كلها بتخاف منه…
واقف قدام طفلة صغيرة، ومش لاقي إجابة.
عينيه اتحركوا ناحية هنا ببطء.
وهنا فهمت فورًا.
فقالت بسرعة، وصوتها مكسور: — “هو ماكنش يعرف يا ليلى.”
ليلى بصتلها بعدم استيعاب: — “يعني إيه ماكنش يعرف؟”
هنا أخدت نفس مرتعش: — “أنا…
أنا مشيت قبل ما يعرف إنك موجودة.”
— “ليه؟”
المطعم كله كان ساكت، لكن محدش فيهم قدر يمشي أو حتى يبص بعيد.
هنا مسكت إيد بنتها بقوة: — “عشان كنت خايفة.”
ليلى بصتلها أكتر: — “منه؟”
قبل ما هنا ترد، سيف قال بهدوء: — “من عيلتي.”
هنا رفعت عينيها له بدهشة خفيفة.
أما هو فكمّل: — “لو اللي قالتُه صح…
يبقى عندها حق تخاف.”
داليا حست بقشعريرة.
لأن دي أول مرة تسمع سيف الدمنهوري يعترف بصوت عالي إن عيلته كانت خطر حتى على أقرب الناس ليه.
ليلى كانت بتحاول تستوعب كل حاجة، بعقل طفلة صغيرة.
وبعدين سألت فجأة: — “يعني…
إنت ما سبتنيش؟”
سيف حس الجملة خبطته من جواه.
ركع قدامها ببطء، رغم إن المنظر وحده كان صادم لكل اللي في المكان.
سيف الدمنهوري…
الراجل اللي محدش شافه ينزل لمستوى حد أبدًا…
بقى على ركبته قدام طفلة صغيرة.
وقال وهو باصص في عينيها مباشرة: — “لو كنت أعرف إنك موجودة…
كنت قلبت الدنيا كلها عشان أوصلك.”
ليلى فضلت باصة له كام ثانية طويلة.
كأنها بتقرر إذا كانت هتصدقه ولا لأ.
وبعدين سألت ببراءة: — “بجد؟”
ولأول مرة من سنين طويلة…
صوت سيف خرج فيه إحساس حقيقي: — “بجد.”
هنا غمضت عينيها بسرعة لأن دموعها بدأت تنزل فعلًا.
لكن اللحظة اتقطعت فجأة.
واحد من رجال الأمن لمس السماعة في ودنه، ووشه اتغير فورًا.
قرب من سيف بسرعة: — “في مشكلة.”
سيف وقف فورًا.
— “إيه؟”
↚
الرجل بص لهنا وليلى قبل ما يرد: — “لقينا العربية اللي اتصلت منها المكالمة…
وصاحبها لسه بيراقب المطعم.”
ملامح هنا انهارت فجأة.
وسيف لاحظ ده فورًا.
عينه ضاقت: — “إنتِ تعرفيه.”
ماكانتش سؤال.
هنا همست بخوف واضح: — “لازم نمشي حالًا.”
— “مين هو؟”
لكن هنا كانت بالفعل بترجع لورا وهي ماسكة ليلى.
— “سيف…
لو الشخص ده شافني، إحنا كلنا هنكون في خطر.”
سيف ثبت عينه فيها.
وبصوت بارد رجع يخوف المكان كله تاني، قال: — “محدش هيلمّسك طول ما أنا واقف هنا.”
لكن هنا بصت له بنظرة مرعوبة…
وقالت الجملة اللي قلبت كل حاجة:
— “هو مش جاي عشاني أنا…”
وسكتت ثانية، قبل ما تبص على ليلى.
— “هو جاي عشانها.”
سيف حس الدنيا كلها سكت حواليه.
بص على ليلى…
الطفلة اللي من نص ساعة بس ماكانش يعرف إنها موجودة أصلًا.
دلوقتي بقت أهم حاجة في حياته.
قال بصوت هادي جدًا: — “مين؟”
هنا كانت مرعوبة فعلًا.
— “اسمه عادل الصاوي…
كان شغال عند أبوك زمان.”
داليا شحبت فورًا.
— “مستحيل…
الراجل ده اختفى من سنين.”
هنا هزت راسها بسرعة: — “ما اختفاش…
كان بيدور علينا.”
سيف عينه ثبتت فيها: — “ليه؟”
هنا بلعت ريقها بالعافية.
— “لأن أبوك قبل ما يموت كان كاتب جزء من أملاكه باسم حفيدته…
كنوع من الضمان.”
داليا همست بدهشة: — “ليلى؟”
— “أيوه…
لكن عادل عرف بالموضوع.
ولو أثبت إن ليلى ماتت…
كل حاجة هترجع ليه وللناس اللي وراه.”
ليلى كانت باصة لهم بخوف، مش فاهمة كل الكلام، لكن حاسة إن فيه خطر حقيقي.
وفي اللحظة دي…
صوت طلق نار دوّى بره المطعم.
الصريخ انفجر جوه المكان.
الناس نزلت تحت الترابيزات، والحراس طلعوا سلاحهم فورًا.
لكن سيف ما اهتمش بأي حاجة غير ليلى.
شدها بسرعة لحضنه وهو مغطي راسها بإيده.
والطفلة، بشكل تلقائي، استخبت فيه كأنها عارفة إنه الأمان الوحيد.
السماعة في ودن الحارس صرخت: — “عربية سوداء عند المدخل!”
سيف رفع عينه للحراس: — “طلّعوهم من الباب الخلفي.”
هنا مسكت إيده فجأة.
— “إنت كمان تعالى.”
لكنه بص لها بهدوء مرعب: — “لا.”
— “سيف—”
— “طول السنين اللي فاتت ماقدرتش أحميكم…
النهارده محدش هيقرب منكم.”
عينه نزلت على ليلى.
البنت كانت ماسكة جاكيته الصوف الصغير بإيد مرتعشة.
وبصوت ضعيف قالت: — “إنت هتيجي معانا؟”
سيف حس قلبه اتقبض.
ركع قدامها بسرعة، رغم صوت الفوضى اللي حواليهم.
وحط إيده على شعرها المبلول بالمطر.
وقال بابتسامة صغيرة لأول مرة: — “أوعدك.”
ليلى بصتله كام ثانية…
وبعدين، فجأة، حضنته.
حضن صغير وسريع وخايف…
لكن بالنسبة لسيف الدمنهوري، كان أقوى من أي حاجة عاشها في حياته.
غمض عينيه للحظة…
كأنه بيتشبث بالإحساس ده.
وبعدين قام فورًا.
الحراس أخدوا هنا وليلى ناحية المخرج الخلفي.
قبل ما تختفي هنا، بصت لسيف للمرة الأخيرة.
وفي عينيها ألف كلمة ما اتقالوش.
الاعتذار.
الخوف.
والحب اللي عمره ما اختفى.
أما سيف…
ففضل واقف في نص المطعم الفاضي تقريبًا، يعدّل أزرار بدلته بهدوء.
ورجاله مستنيين أوامره.
واحد منهم سأل: — “نعمل إيه يا فندم؟”
سيف بص ناحية الباب الأمامي…
اللي وراه العربية السودا مستنية.
وبصوت بارد رجع يخوف المكان كله، قال:
— “قولوا لعادل الصاوي…”
وسكت ثانية، وعينه لمعت بشكل مرعب.
— “إنه غلط لما لمس عيلتي.”
الباب الخلفي اتقفل ورا هنا وليلى…
وصوت خطواتهم اختفى بالتدريج.
أما سيف، ففضل واقف مكانه وسط المطعم الهادي بشكل مرعب.
المطر كان بيخبط على الإزاز، وصوت صفارات الشرطة بدأ يقرب من بعيد.
لكن عينه ما كانتش على أي حاجة غير العربية السودا اللي واقفة قدام المطعم.
واحد من رجاله قرب وقال: — “الشرطة في الطريق.”
سيف رد بدون ما يبصله: — “خليهم برّه.”
وبعدين بدأ يمشي ناحية الباب الأمامي.
بهدوء يخوف أكتر من العصبية.
العربية السودا أول ما شافته…
الموتور اشتغل.
لكن كان متأخر.
عربيات سيف قفلت الشارع من الناحيتين.
أربع رجالة نزلوا بسرعة، وسحبوا السواق برا العربية.
وفي ثواني…
نزل عادل الصاوي بنفسه.
راجل في آخر الخمسينات، شعره أبيض خفيف، ووشه مليان قسوة قديمة.
بص لسيف وابتسم ابتسامة باردة: — “كبرت أوي يا ابن فاروق.”
سيف وقف قدامه مباشرة.
— “غلطتك إنك فكرت تقرب من بنتي.”
عادل ضحك بسخرية: — “بنتك؟
أنت حتى ماكنتش تعرف إنها موجودة.”
الجملة ضربت سيف…
لكنه ما بينش أي حاجة.
قال بهدوء: — “آخر فرصة ليك تقول مين اللي باعتك.”
عادل بصله بثقة غريبة.
— “فاكر إن أبوك مات وكل أسراره دفنت معاه؟”
ولأول مرة…
ملامح سيف اتشدت فعلًا.
عادل قرب منه وهمس: — “في ناس أكبر من أبوك يا سيف…
وليلى بالنسبة لهم خطر.”
قبل ما سيف يرد…
صوت طلقة دوّى فجأة.
لكن مش من رجال سيف.
عادل نفسه وقع على الأرض، والدم بدأ ينتشر تحت جسمه.
الكل لف بسرعة.
قناص.
طلقة جاية من سطح العمارة اللي قصاد المطعم.
رجالة سيف تحركوا فورًا، لكن القناص كان اختفى.
سيف نزل بسرعة جنب عادل.
الراجل كان بيلفظ أنفاسه الأخيرة.
ومسك ياقة سيف بصعوبة، وهمس: — “احمي البنت…
قبل ما يوصلولها.”
وبعدين…
مات.
الصمت نزل للحظة.
حتى المطر كأنه وقف.
سيف قام ببطء، وعينه بقت أخطر من أي وقت فات.
لأن دي ما بقتش مجرد تصفية حسابات قديمة.
دي حرب.
وحرب بسبب طفلة صغيرة كانت من ساعات بس بتتكلم عن الديناصورات والكلاب.
واحد من رجاله قرب بتوتر: — “نعمل إيه دلوقتي؟”
سيف بص ناحية الشارع البعيد…
المكان اللي هنا وليلى اختفوا فيه.
ولأول مرة من سنين طويلة…
الخوف دخل قلبه فعلًا.
مش خوف على نفسه.
على بنته.
طلع موبايله، واتصل بهنا.
أول ما ردت، سمع صوت ليلى من بعيد وهي بتقول ببراءة: — “ماما…
هو بابا هيجيلنا؟”
سيف قفل عينيه للحظة.
وبصوت واطي لكنه ثابت، قال: — “اسمعيني كويس…
من النهارده، محدش يبعد عن ليلى ثانية واحدة.”
هنا صوتها ارتعش: — “سيف…
إيه اللي بيحصل؟”
رفع عينه للسما…
للمطر…
↚
وللحرب اللي بدأت ترجع من تحت التراب.
وقال بهدوء: — “الظاهر إن الماضي لسه مخلصش معانا.”
عدّى أسبوع…
وسيف الدمنهوري ما نامش فيه أكتر من ساعات قليلة.
نقل هنا وليلى لفيلا محروسة على طريق صحراوي بعيد عن القاهرة، وحوّل المكان لقلعة كاملة.
حراسة برّه…
قناصة فوق السطوح…
وكاميرات في كل زاوية.
لكن الغريب؟
إن أكتر حاجة كانت مرعبة لسيف…
ما كانتش الحرب اللي جاية.
كانت ليلى.
الطفلة الصغيرة اللي بدأت تدخل حياته بهدوء مخيف.
في أول يوم، رفضت تنام غير لما تتأكد إنه موجود في البيت.
وفي تاني يوم، دخلت مكتبه بدون استئذان وسألته: — “هو إنت دايمًا مكشر كده؟”
داليا كتمت ضحكتها بالعافية.
أما سيف فبصلها ثواني…
وقال: — “غالبًا.”
ليلى قربت منه أكثر، وحطت رسمة قدامه.
ديناصور ضخم لابس بدلة سودا.
وفوقه مكتوب بخط أطفال متعوج: “بابا سيف.”
سيف فضل باصص للورقة وقت طويل جدًا…
وقت أطول من أي عقد بملايين وقّعه في حياته.
ومن يومها…
بدأ يتغير.
بقى يرجع البيت بدري.
يسأل إذا ليلى أكلت ولا لأ.
يقف يتفرج عليها وهي نايمة كأنه خايف تختفي لو بعد عينه عنها.
أما هنا…
فكانت بتراقبه بصمت.
شايفة الراجل اللي زمان حبّته…
تحت كل البرود والقسوة اللي بنته السنين.
لكن الخطر ما اختفاش.
وفي ليلة مطر شبه أول ليلة…
دخلت داليا مكتب سيف بسرعة ووشها متوتر: — “لقينا المعلومة اللي عادل كان بيحاول يقولها.”
سيف رفع عينه فورًا: — “اتكلمي.”
داليا حطت ملف قدامه.
— “فاروق الدمنهوري ماكانش بيخبي ثروة بس…
كان مخبي ملفات على ناس كبيرة جدًا.
سياسيين…
رجال أعمال…
ضباط…”
سيف فتح الملف ببطء.
وفي آخر صفحة…
كان فيه اسم واحد متظلل بالأحمر.
سيف وشه اتجمد.
لأن الاسم كان لشخص المفروض ميت من عشر سنين.
وفي نفس اللحظة…
صوت ضحكة ليلى وصل من الجنينه برّه.
سيف رفع عينه للشباك.
شافها بتجري تحت المطر الخفيف وهي تضحك…
وهنا بتحاول تلحقها.
ولأول مرة فهم الحقيقة كاملة.
الثروة…
السلطة…
الإمبراطورية كلها…
ولا حاجة.
ولا حاجة قدام خوفه عليهم.
قفل الملف بهدوء.
وبعدين قال لداليا: — “احرقي كل النسخ.”
داليا اتصدمت: — “إنت بتهزر؟
الملفات دي تقدر—”
قاطعها بهدوء: — “مش عايز حرب.”
— “بس الناس دي ممكن يقتلونا.”
سيف بص ناحية ليلى مرة تانية…
وابتسم ابتسامة خفيفة نادرة.
— “ما هو ده السبب اللي يخليني أوقفها.”
وبعد شهر…
الصحافة كانت مليانة خبر واحد:
“سيف الدمنهوري يعلن انسحابه من جميع شركاته.”
الناس اعتقدت إنه جنّ.
رجال الأعمال قالوا إنه خسر.
أعداؤه افتكروا إنه ضعف.
لكن الحقيقة الوحيدة…
إن سيف كان قاعد على الأرض في أوضة بنته، بيساعدها تركب لعبة ديناصورات، وهي بتقوله بحماس: — “لا يا بابا، دي هنا…
مش هنا.”
ضحك بصوت منخفض.
وهنا كانت واقفة على الباب تبصلهم وعينيها مليانة دموع هادية.
بعد سنين خوف وهروب…
بقوا أخيرًا عيلة.
وسيف، الراجل اللي الناس كلها كانت بتخاف منه…
اكتشف متأخر جدًا…
إن أقوى حاجة في الدنيا، مش السلطة.
ولا الفلوس.
ولا الخوف.
أقوى حاجة…
طفلة صغيرة نادت عليه مرة واحدة وقالت:
— “بابا.”
بقلم ندى الجمل